الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
553
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وإن تنزلنا معهم على القول بأنه : الحامد ، فأي لفظ أقرب إلى أحمد ومحمد من هذا ؟ قال ابن ظفر : وفي الإنجيل - مما ترجموه - ما يدل على أن الفارقليط : الرسول ، فإنه قال : إن هذا الكلام الذي تسمعونه ليس هو لي ، بل الأب أرسلني بهذا الكلام لكم ، وأما « الفارقليط » روح القدس الذي يرسله أبى باسمي ، فهو يعلمكم كل شيء ، وهو يذكركم كلما قلته لكم . فهل بعد هذا بيان ؟ أليس هذا صريحا في أن « الفارقليط » رسول يرسله اللّه ، وهو روح القدس ، وهو يصدق بالمسيح ، ويظهر اسمه أنه رسول حق من اللّه ، وليس بإله ، وهو يعلم الخلق كل شيء ، ويذكرهم كل ما قاله المسيح - عليه السّلام - لهم ، وكل ما أمرهم به من توحيد اللّه . وأما قوله « أبى » فهذه اللفظة مبدلة محرفة ، وليست منكرة الاستعمال عند أهل الكتابين ، إشارة إلى الرب سبحانه ، لأنها عندهم لفظة تعظيم ، يخاطب بها المتعلم معلمه الذي يستمد منه العلم . ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية ، ولم تزل بنو إسرائيل وبنو عيصو يقولون نحن أبناء اللّه بسوء فهمهم عن اللّه تعالى . وأما قوله « يرسله أبى باسمي » فهو إشارة إلى شهادة المصطفى - صلى اللّه عليه وسلم - له بالصدق والرسالة ، وما تضمنه القرآن من مدحه عما افترى في أمره . وفي ترجمة أخرى للإنجيل ، أنه قال : « الفارقليط » إذا جاء وبخ العالم على الخطيئة ، ولا يقول من تلقاء نفسه ، ما يسمع يكلمهم به ، ويسوسهم بالحق ، ويخبرهم بالحوادث . وهو عند ابن طغربك لفظ : فإذا جاء روح الحق ، ليس ينطق من عنده ، بل يتكلم بكل ما يسمع ، ويخبركم بكل ما يأتي ، وهو يمجدنى لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم . فقوله « ليس ينطق من عنده » وفي الرواية الأخرى : « ولا يقول من تلقاء نفسه بل يتكلم بكل ما يسمع » أي : من اللّه الذي أرسله ، وهذا كما قال تعالى في حقه - صلى اللّه عليه وسلم - : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى « 1 » .
--> ( 1 ) سورة النجم : 3 ، 4 .